اسماعيل بن محمد القونوي

485

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( خلق اللّه وخلقهم ) أي اللام عوض عن المضاف إليه والجمع بين خلق اللّه وخلقهم لرعاية التشارك المستفاد من التفاعل وتعدية تشابه بعلى لتضمنه معنى الاشتباه إذ بالتشابه يلتبس الأمر عليهم ويشتبه فيظنون أنهم مثله تعالى في استحقاقه العبادة لكونهم مثله في الخالقية . قوله : ( والمعنى أنهم ما اتخذوا للّه ) حاصل المعنى إذ إنكار وقوع الجعل أي الاتخاذ يرجع إلى النفي . قوله : ( فيقولوا ) عطف على يتشابه وداخل في حيز حتى وإسقاط النون بسبب ذلك . قوله : ( اتخذوا شركاء ) أي الإنكار ليس لنفس الاتخاذ بل قيده فلزم بالضرورة كونهم عاجزين إذ لا واسطة بينهما ( خالقين مثله ) . قوله : ( حتى يتشابه عليهم الخلق ) هذا منفهم بحسب الحس ولذا اعتبر وإن لم يتعرض له في النظم الجليل ( فيقول هؤلاء خلقوا كما خلق اللّه فاستحقوا العبادة كما استحقها ولكنهم اتخذوا شركاء عاجزين ) لا يقدرون على ما يقدر عليه الخلق فضلا عما يقدر عليه الخالق لا خالق غيره فيشاركه في العبادة جعل الخلق موجب العبادة ولازم استحقاقها ثم نفاه عما سواه ليدل عليه قوله أي المتوحد بالألوهية القهار الغالب على كل شيء . قوله تعالى : [ سورة الرعد ( 13 ) : آية 17 ] أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ ( 17 ) قوله : ( أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ [ الرعد : 17 ] ) اعلم إنه تعالى لما شبه المؤمن والكافر والإيمان والكفر بالبصير والأعمى والنور والظلمات ضرب للإيمان والكفر مثلا آخر فقال أنزل من السماء واختير صيغة المضي إذ التمثيل بما هو كائن محقق أوقع في القلوب في إظهار الحق والعيوب وترك العطف لأنه على حياله تمثيل آخر . قوله : ( من السحاب ) أي المراد بالسماء معناه اللغوي فإن ما علاك وأظلك سماء ولذلك سمي السقف سماء . قوله : لا خالق غيره معنى الحصر مستفاد من تقديم المسند إليه المعرف باللام وهو لفظ اسم الجلال وأيضا يفيد الحصر قوله عز وجل : وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ [ الرعد : 16 ] أي هو المنفرد بالوحدة والقهر لا غيره على منوال هو المنطلق . قوله : جعل الخلق موجب العبادة وذلك قوله : أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ [ الرعد : 16 ] فإن هذا الكلام أفاد بالإنكار المدلول عليه بالاستفهام أن من عجز عن الخلق والايجاد من العدم هو بمعزل عن أن يستحق للعبادة ثم نفي الخلق عمن سواه بقوله : قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [ الرعد : 16 ] فإن معنى الحصر المستفاد من تقديم المسند إليه أفاد أن لا خالق غيره فكان هو دليل على ما بعده من قوله عز وجل : وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ [ الرعد : 16 ] فهو كالنتيجة عما قبله لأن الشركة إذا انتفت فقد ثبتت الوحدة .